كتبت رين علي محمد
لم يعد معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ 67 مجرد ممرات لصفوف دور النشر ورفوف مكتظة بالروايات، بل تحول هذا العام إلى مساحة تنبض بالحياة والطبيعة بفضل فكرة استثنائية وابتكارية غير مسبوقة: "قسم الحديقة"
هذه الزاوية الجديدة لم تكن مجرد ديكور بصري، بل تحولت بسرعة إلى القلب النابض للمعرض ونقطة استقطاب رئيسية لجميع الفئات العمرية.
طبيعة تنبض بالحياة
ما إن تخطو قدماك نحو الحديقة التي تنتصف المعرض حتى يغمرك شعور بالسكينة، فالأشجار تحيط بالمكان من كل جانب، وتتوسطها أشجار وأقفاص عصافير تضفي طابعاً هادئاً ودافئاً.
تنوعت خيارات الجلوس في هذا القسم بين مقاعد خشبية ووسائد مريحة افترشت الأرض، لتمنح الزوار حرية اختيار زاويتهم المفضلة للقراءة أو التأمل.
هنا، يندمج سحر الورق برائحة التراب، ليجد القارئ سواء كان طفلاً أو شاباً أو شيخاً—مساحته الخاصة للتفكير والاسترخاء بعيداً عن صخب الممرات.
بصمات إنسانية
لم تقتصر الحديقة على كونها مكاناً للجلوس، بل حملت رسائل إنسانية وفنية عميقة. فقد ازدانت جنباتها بمجموعة من اللوحات الفنية التي خطتها أنامل أطفال "دار الأيتام الإسلامية"، لتمنح الزائر إحساسا بالدفء الاجتماعي وتربط الإبداع الطفولي بفضاءات الثقافة. وإلى جانب ذلك، وُضعت مجموعة من اللوحات الفنية البيضاء تاركةً للزوار حرية المشاركة وترك "بصمتهم" الخاصة بالكلمة أو التوقيع، لتتحول هذه اللوحات إلى دفتر خواطر حيّ ينبض بمشاعر الجمهور.
الثقافة مساحة حياة وتفاعل
وحول الهدف من هذه الإضافة النوعية، تؤكد رئيسة "النادي الثقافي العربي" السيدة سلوى السنيورة بعاصيري على أهمية هذه الخطوة وفلسفتها التنظيمية، حيث أشارت إلى ان الهدف هو إيجاد عملية ملاءمة بين مناخ القراءة والبيئة، فالطبيعة بحد ذاتها توحي بصفاء الذهن، والقراءة تتطلب هذا الصفاء لتعزيز فعل التأمل بعيداً عن الظروف الضاغطة التي تفرضها الشاشات الرقمية. فحين يكون القارئ في أحضان الطبيعة، تتحول القراءة إلى فعل أكثر عمقاً واستغراقاً بصفاء ذهني تام."
نبض الناس
تفاعل الزوار مع هذه التجربة كان ساطعاً ويعكس تعطشاً لمثل هذه المبادرات الحية.
وتقول إحدى الطالبات المعجبات بالمكان: "الحديقة جذبتني فوراً ما إن دخلت.. كتبت اسمي على اللوحة لأترك بصمتي، وهيدي لفتة كتير حلوة مش عادات المعارض التقليدية".
وتضيف طالبة أخرى: "كتبت كلمتي لتضل ذكرى، وأكتر شي لفتني إنها كتير حيوية وألوانها متناسقة ومريحة للنفس".
من جهتها، رأت إحدى المعلمات أن "الحديقة تجمع بكادر هادئ يساعد الطلاب أكثر على التأمل، وهي لفتة ذكية جداً من المعرض تكسر النمطية". أما على مستوى الشباب، فأكد أحد الشبان أن "المكان أعطى المعرض بهجة جديدة وموضوعاً حياً يجمع الناس بأجواء من السعادة والتقارب".
ولم تغب العائلات عن المشهد، إذ عبّرت إحدى الأمهات عن سعادتها قائلة: "مساحة رائعة ومفيدة جداً، أسعدني كثيراً أن أرى أولادي يختارون كتبهم بأنفسهم ويجلسون ليقرأوها فوراً وسط أجواء الطبيعة داخل المعرض".
أما عن جيل الكبار والمخضرمين من رواد القراءة، وفي تعليق يختصر روح المكان، فيقول أحد كبار السن وهو يقلب صفحات كتابه بهدوء: "حين تقرأ تحت ظل شجرة وفي حضن الحديقة، تعود للكلمة عروبتها وروحها الأصيلة، فالكتاب هنا لا يُقرأ بالعين فحسب، بل يُستنشق مع عبق الطبيعة ليترك في الروح أثراً لا يزول".
إن إدراج "قسم الحديقة" في الدورة الـ 67 لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب يثبت أن الثقافة ليست حبيسة الكتب الصامتة، بل هي كائن حي يتنفس، يتطور، ويلامس وجدان الناس بكل تفاصيلهم. لقد نجحت هذه البادرة في تحويل المعرض من مجرد سوق تجاري للكتاب إلى مساحة لقاء إنساني وثقافي وبيئي متكامل، تترك في ذاكرة كل زائر—صغيراً كان أو كبيراً—قصة جميلة وذكرى لا تُنسى.